ماهي البدعة و متى تكون حراما و متى تستحسن و هل السبحة أو التسبيح بدعة
المفتي: لجنة الإفتاء
2026-01-01
38
السؤال:
السلام عليكم ورحمة اللهأسأل عن حكم استعمال المسبحة أو السبحة أو التسبيح = 📿 ، و هل صحيح أنه بدعة ؟
و كذا قول صدق الله العظيم بعد القراءة ؟
الجواب:
و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أهلا و سهلا و مرحبا بالسائلين .
وبعد ، فلم يرد عن ثقة من العلماء المتقدمين ولا المتأخرين أبدا القول ببدعية التسبيح أو السبحة ، سواء ما كان منها خرزا ، أو كان كهربائيا ، أو غيره ، و حكمه بين الجواز و الاستحباب ، و لطمأنة السائلين نضع أحاديث إقرارية في شأنه ، وبعدها تعقيب في شأن المسائل البدعية ماهيتها و متى تكون وفي ذاك إجمال لسؤاليك عن السبحة والتصديق:
أولا مع الأدلة التقريرية للمسبحة : ما أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية" عن نعيم بن المحرر بن أبي هريرة عن جده أبي هريرة رضي الله عنه و أرضاه : "أنه كان له خَيْطٌ فِيه أَلْفَا عُقْدَةٍ، فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ".
وعَنْ أَبِى نَضْرَةَ الغفاري رضي الله عنه قال: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَشَدَّ تَشْمِيرًا وَلَا أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى وَأَسْفَلُ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا، حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ مَا فِي الْكِيسِ أَلْقَاهُ إِلَيْهَا، فَجَمَعَتْهُ فَأَعَادَتْهُ فِي الْكِيسِ، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي و هو حديث حسن ، في الاستدلال على جواز كل ما كان وسيلة للذكر ، والله يحب أن يذكر و أحق بالذكر .
وعن صَفِيَّةَ بنت حُييِّ رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَبَّحْتُ بِهَذِهِ، فَقَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْتِ بِهِ» فَقُلْتُ: بَلَى عَلِّمْنِي، فَقَالَ: «قُولِي: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ» أخرجه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: «أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ قولي: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ مِثْلَ ذَلِكَ» أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.
و هذه كلها أدلة على تقريره و غيرها كثير ،
و عن التصديق ، فهو قول: (صدق الله العظيم) مطلق ذكر لله تعالى؛ وقد أُمِرنا بذكر الله تعالى بالأمر العام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]، وبالأمر الخاص في خطاب الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ ، أما عن البدعة فنعرج عليها و نذكر مختصرين بأنها في اللغة ما كان أتى على غير مثال تقدمَ ، و من ذاك قوله تعالى 《قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاٗ مِّنَ اَ۬لرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِے مَا يُفْعَلُ بِے وَلَا بِكُمُۥٓۖ إِنَ اَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوح۪يٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞۖ》أي ما كنت أول رسل الله لخلقه فقد خلت من قبلي رسل كثر ، و من ذاك أيضا قول عمر بن الخطاب كرّم الله وجهه "نعمة البدعة" و كان يقصد معناه اللغوي وليس الوارد في حديث النبي ﷺ 《في كل محدثة بدعة و في كل بدعة ضلالة و كل صلالة في النار》، فالمحدثة تقيّد أصوليا بالمحدث في الدين ، أي أنها من العام المخصص بمخصص منفصل وهو العقل واقرأ إن شئت 《فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاٗ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمْطِرُنَاۖ بَلْ هُوَ مَا اَ۪سْتَعْجَلْتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ اَلِيمٞۖ () تُدَمِّرُ كُلَّ شَےْءِۢ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا تَر۪يٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنَهُمْۖ كَذَٰلِكَ نَجْزِے اِ۬لْقَوْمَ اَ۬لْمُجْرِمِينَۖ 》تدمر كل شيء بأمر ربها ، لفظ كل شيء مطلق على العموم لكن العقل ينفي تدميرها للمومنين ، و عودة لمعناه اللغوي هي ما كان حدثا دون تقدم مثيل له تؤصل به ، كصلاة لله يغرضها جهال لم يشرعها لم يشرعهت ربنا ، أما التنفل فمرغب فيه بعد استيفاء الفرائض ، واختلف الفقهاء في تعريفها ثم في أقسامها ، إلا أن أكثرهم يرى تقسيم العز بن السلاد _وبما أنا موجزون نكتفي برأي سوادهم_ إذ قسمها على أقسام حكم الشرع : الواجبة و المستحبة و المباحة و المكروهة و المحرمة ، و جمعها بن غازٍ المكناسي رحمة الله عليه ممثلا لمل قسم فقال :
كُن تابعا ووافقن من اتبع ... وقسمن لخمسة هذي البدع
واجبة كمثل كتب العلم ... ونقطِ مصحف لأجل الفهم
ومستحبة كمثل الكانسِ ... و الجسر و المحراب والمدارسِ
ثم مباحة كمثلِ مُنخُلِ ... وذات كره كخواي المأكلِ
ثمّ حرام كاغتسال بالفتاة ... وكاسياتٍ عارياتٍ مائلاتْ
وأهل الكفة الثانية لا يقسم منتصروها البدعة كالإمام الشاطبي ، و قالوا كل بدعة ضلالة ، و الجمع بين القولية كما افتتحنا أن الأولى قسمة اللغة و الثانية المصطلح الشرعي للبدعة الضلالية التي لا تكون إلا في العقائد و العبادات بما لم يشرع الله .
هذا والله جل في علاه ورسوله ﷺ أعلم .